الشيخ محمد النهاوندي
576
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والطّول والقصر ، والحسن والقبح . وفي رواية المحاجّة : قال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أنّ ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء ، وأنّ ربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ؟ » قالوا : بلى ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته امّه كما تحمل المرأة ، ووضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثمّ غذّي كما يغذّى الصّبيّ ، ثمّ كان يطعم الطّعام ، ويشرب الشّراب ، ويحدث الحدث ؟ » قالوا : بلى ، قال : « فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا ، فأبوا إلّا جحودا » « 1 » . وفي الآيتين أيضا تقرير لصفتي حياته وقيموميّته . ثمّ أعاد سبحانه ذكر المدّعى وهو التّوحيد - بعد إقامة البرهان عليه تفصيلا ، لإشرابه في القلوب - بقوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فنزّه ذاته المقدّسة عن أن يكون عيسى مثله وشبيهه في الالوهيّة . ثمّ أعاد حاصل البرهانين المذكورين ، بقوله : الْعَزِيزُ الغالب غير المتناهي في قدرته الْحَكِيمُ والمتقن في أفعاله ومخلوقاته . فعيسى مقهوره ومغلوبه وبديع صنعه ، لكونه مركبا من المادّة والصّورة ، ومحتاجا إلى المركّب ، ومعرّضا للانحلال والفناء . وحاصل ما استفيد من الآيتين في الردّ على النّصارى : أنّهم إن تمسّكوا في الوهيّة عيسى بعلمه بالمغيّبات ، حيث كان ينبئهم بما يأكلون وما يدّخرون . ففيه : أنّ علمة كان مقصورا ببعض الأمور الجزئيّة ، والعلم اللّائق بمقام الالوهيّة هو العلم المحيط بجميع جزئيّات الكائنات ، وأجزاء الموجودات ، وصفاتها ، وأحوالها ، وإن كان مثقال حبّة من خردل في صخرة في الظّلمات ، وبالضّرورة لم يكن هذا العلم الشّامل ، لعيسى ولا لغيره . وإن تمسّكوا بقدرته على ما لا يقدر عليه البشر ؛ من إبراء الأكمه والأبرص ، وخلق الطّير وإحياء الموتى ، ففيه : أنّها قدرة ناقصة مفاضة إليه من خالقه ومصوّره ، إذ من الواضح أنّه مصنوع غيره ، صوّره قادر مطلق في رحم امّه من غير أب ، لبداهة أنّه عليه السّلام لم يخلق امّه ، ولم يصوّر نفسه في رحمها . في كيفية خلق الجنين في الرحم ومقدّماته عن ( الكافي ) : عن الباقر عليه السّلام ، قال : « إنّ اللّه تعالى إذا أراد أن يخلق النّطفة ، التي هي ممّا أخذ عليه « 2 » الميثاق ، من « 3 » صلب آدم ، أو ما يبدو له فيه ، ويجعلها في الرّحم ، حرّك الرّجل للجماع ، وأوحى إلى الرّحم أن افتحي بابك حتّى يلج فيك خلقي وقضائي
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 3 . ( 2 ) . في المصدر : عليها . ( 3 ) . في المصدر : في .